~¤¦¦§¦¦¤~ ريحانة المصطفى ~¤¦¦§¦¦¤~

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

~¤¦¦§¦¦¤~ ريحانة المصطفى ~¤¦¦§¦¦¤~


 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم والعن اعدائهم

شاطر | 
 

 أصول العقيدة (1).

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
تراب أقدام المصطفى
ريحان فعال


62
حالتك الأن؟ : postdetails.poster-profile a img {
ذكر
نقاط : 82
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

مُساهمةموضوع: أصول العقيدة (1).   الخميس مايو 16, 2013 10:33 am

-[ 2 ]-
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الثالثة
1431 هـ ـ 2010 م
-[ 3 ]-
أصول العقيدة

تأليف
السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
مؤسسة الحكمة للثقافة الإسلامية
-[ 5 ]-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرع دينه، وأتم حجته، وأوضح سبيله.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم أنبيائه، وسيد رسله، الداعي إليه والدال عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، مصابيح الظلام، وهداة الأنام. ولعنة الله على أعدائهم الظالمين الذين حرفوا دينه، وانتهكوا حدوده، وصدوا عن سبيله، وأضلوا العباد، وطغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد.
وبعد فقد سبق مِن بعض إخواننا المؤمنين وفقهم الله تعالى أن طلبوا منّا أن نُصدِّر رسالتنا العملية في الفقه ببيان أصول الدين التي يجب الاعتقاد بها على الناس، وبها تكون نجاتهم، مع الاستدلال عليها، من أجل أن يكون المؤمن على بصيرة من دينه، وعذر عند ربه.
ولم يسعنا في وقته الاستجابة لهم، لضيق الوقت، وكثرة المشاغل الدينية والعلمية والاجتماعية، غيْر أنه كلما امتدّ بنا الزمن، ورأينا ما يطرح في الساحة من أفكار ودعوات، وما يَرِد على هذه الطائفة من ضغوط ومضايقات، تَجَلَّت لنا شدة الحاجة لذلك، وحكم الضرورة بها.
-[ 6 ]-
فإنا وإنْ كنّا على قناعة تامّة بأنّ الله عزّ وجلّ حين شرع دينه، وتعبَّد به عباده، وفرضه عليهم، ثم جعل الثواب العظيم لمن أقرّ به وتابعه، والعقاب العظيم لمَن أعرض عنه وجحده، فلابد أنْ يكون قد أكمل الحجة عليه وأوضحها، بحيث لا يُعْرِض عنها إلا مفرّط أو معاند،إلا أنّ تَحَزُّب فِرَق الكفر والضلال ضدّ هذا الدين العظيم، وتكالبهم عليه، وجهدهم في إطفاء نوره، وإنكار حقائقه، وتضييع معالمه، والتعتيم عليه، عناداً ومكابرة، من أجل المنافع المادية، أو بسبب التقليد والتعصب الأعمى، كلّ ذلك قد يثير بعض الشبهات حول الحقيقة تمنع مِن وضوحها، ويحيطها بضبابية تحول دون مصداقية الرؤية وجلائها لعامّة الناس، خصوصاً البعيدين عن مراكز المعرفة والثقافة الدينية، أو الذين تحول بينهم وبينها حواجز، من خوف، أو انشغال، أو تنفير، أو غيرها.
ولاسيما أنّ وضوح تلك الحقائق، واستيفاء الأدلة عليها، بجهود علمائنا الماضين (رضوان الله تعالى عليهم) قد جعلها من الأمور المفروغ عنها، بحيث كانت في مدة طويلة تُرْسَل إرسال المسلمات، ويُكْتَفَى بالإشارة إلى أدلتها إجمالاً بوجه عابر، مِن دون تركيز عليها ولا توضيح لها، فكانت الحاجة ماسة إلى تجديد عَرْض أدلتها بعد أن أُهْمِلَت تلك المدة الطويلة.
خصوصاً بعد حملة الإنكار والتشكيك، والتحريف، والتحوير، التي ظهرت هذه الأيام بوجه ملفت للنظر. حيث قد يصاب بعض المؤمنين بصدمة تربك عليهم وضعهم، وتجعلهم في حيرة من أمرهم، بل قد تضيع
-[ 7 ]-
عليهم حقائق دينهم ومعالمه.
ومن أجل ذلك وغيره رأينا لزاماً علينا أن نحاول القيام بذلك. وكان قد سبق منّا في فترة الاعتقال الطويلة أن ألقينا على بعض أقاربنا المعتقلين معنا بعض المحاضرات في ذلك بوجه موجز ومتقطع، مع تكتم وحذر شديدين فرضتهما علينا الأوضاع المعقدة التي تحيط بنا، والظروف القاسية التي كنّا نعيشها، وإن لم يكن معنا مصدر نرجع إليه، بل ولا قلم وقرطاس لنسجل ما ألقيناه من أفكار. فكانت تلك الأفكار نواة لمحاولتنا هذه حاولنا تطويرها وتوضيحها حسب ما تيسر لنا، متكلين على الله تعالى، مستعينين به، لاجئين إليه في التوفيق لإحقاق الحق وإيضاح معالمه، والتسديد في ذلك.
وقد رأينا أن نبعد في محاولتنا هذه عن الطرق المتكلفة والاستدلالات المعقدة - وإن كانت متينة - ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، وأن نتعمد إيصال الحقيقة وإيضاحها في نفس القارئ، وتحكيم وجدانه فيها. كما أنا لم نلتزم بمصطلحات علماء الكلام؛ لأن الغرض الأساسي هو إيصال هذه الحقائق إلى عموم الناس ومن دون كلفة.
وقد استعنا على ذلك بالإكثار من ذكر الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث الشريفة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من آله (عليهم السلام). وكثيراً ما لا يكون ذلك من أجل الاستدلال بها، فإنّ الاستدلال بها إنما يصح بعد إثبات حقية القرآن المجيد، وحجية أحاديثهم (صلوات الله عليهم)، وهو
-[ 8 ]-
إنما يتم في مراحل لاحقة مِن هذه المحاولة، وإنما كان الغرض من ذلك هو الاستئناس بها، والتفاعل بمضامينها، لما تضمنته من روعة في البيان، ورصانة في المضمون، وتنبيه لمقتضى الفطرة، يؤكد حقيتها، وصدورها عن مصادر المعرفة ومنابعها الصافية. حيث يكون لذلك أعظم الأثر في إيضاح الحقيقة وجلائها، وتمكنها من القلوب وتركزها في النفوس.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا بخلوص النية، وحسن الطويَّة، وأن يكلل محاولتنا هذه بالنجاح والفلاح، ويتقبلها بقبول حسن. إنه أرحم الراحمين، وولي المؤمنين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المصطفى
ريحان فعال


62
حالتك الأن؟ : postdetails.poster-profile a img {
ذكر
نقاط : 82
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: أصول العقيدة (1).   الأحد مايو 19, 2013 5:23 pm

-[ 9 ]-
تمهيد
* أهمية العقل
* المراد من العقل
* أسباب الاختلاف
* الموضوعية في البحث
-[ 11 ]-
تمهيد

إن للعقل أهمية كبرى في كيان الإنسان، وتقويم شخصيته، وتوجيه سلوكه، وتحديد مصيره، وبه تميَّز عن بقية الحيوانات وفُضِّل عليها، فإنها وإن كانت تملك شيئاً من الإدراك الغريزي، إلا أنه في حدود ضيقة، أما الإنسان فهو يستطيع بعقله تمييز الأشياء، ومقارنة بعضها ببعض، ثم الترجيح بينها، واستحصال النتائج من مقدماتها، وتحديد الضوابط التي ينبغي الجَرْي عليها، مع سعَة أُفُقٍ وانفتاح على الواقع، قد يقطع به ذوو الهمم العالية شوطاً بعيداً في التقدم، ويرتفعون به إلى مراتب سامية من الرقي والكمال.

أهمية العقل في الكتاب والسنة

ولذلك أكد القرآن المجيد على العقل في آيات كثيرة، قال تعالى: ((وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُولُوا الألبَابِ)) (1).
وقال سبحانه: ((قَد بَيَّنَّا لَكُم الآيَاتِ إن كُنتُم تَعقِلُونَ)) (2)، وقال
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة آية: 269.
(2) سورة آل عمران آية: 118.
-[ 12 ]-
عزّ من قائل: ((إنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ وَاختِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألبَابِ)) (1).
وقال جلّ شأنه: ((إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى)) (2)... إلى غير ذلك.
كما أكدت على ذلك السنّة الشريفة في أحاديث كثيرة لا تحصى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من آله (عليهم السلام)، وبصيغ مختلفة في عرض ذلك،فعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "قوام المرء عقله، ولا دِين لِمَن لا عقل له" (3).
وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : "ما قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل... ولا بعث الله رسولاً حتى يستكمل العقل، ويكون عقله أفضل من عقول جميع أمّته..." (4).
وفي الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل" (5).
وقال (عليه السلام) في حديث: "مَن كمل عقله حسن عمله" (6).
وفي حديث هشام بن الحكم: "قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهم السلام) : يا هشام إن الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه، فقال: ((فَبَشِّر عِبَادِي* الَّذِينَ يَستَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أحسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُم اللهُ وَأُولَئِكَ هُم أُولُوا الألبَابِ)) يا هشام إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران آية: 118، 190.
(2) سورة طه آية: 54.
(3) (4)، (5)، (6) بحار الأنوار 1: 94، 91، 95، 87
-[ 13 ]-
الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلّهم على ربوبيته بالأدلة..." (1)... إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

إخفاق العقل في القيام بوظيفته

نعم قد يفقد العقل فاعليته، أو يتعثر في طريقه، نتيجة تقصير الإنسان وتفريطه، إما إهمالاً وتسامحًا، لعدم شعوره بالمسؤولية، أو لتغلُّب عوامل ومؤثرات أخرى عليه، مِن كسل، أو ضجر، أو شهوة، أو غضب، أو تعصب، أو تقليد أو غير ذلك مما يقف في طريق العقل ويمنعه من أداء وظيفته،فمثلاً: مِن أهم الأمور الدنيوية التي يحبها الإنسان ويهتم بها صحته البدنية، التي بها قوام حياته وبقاؤه في هذه الدنيا، ومع ذلك نرى الناس - مع اشتراكهم في حبها والاهتمام بها - مختلفين في رعايتها والحفاظ عليها،فمنهم مَن يبذل وسعه ويجهد جهده في ذلك، بالوسائل العقلائية الميسورة، مهما كلّفه ذلك مِن تعب ونصب وقيود والتزامات، فيبحث عن أفضل الأطباء وأحذقهم، ويلتزم بتوجيهات الطبيب ونظامه العلاجي غير مبال بمتاعب ذلك ومصاعبه، كل ذلك من أجل اهتمامه بصحته وحبه للحياة.
بينما نرى آخرين لا يراعون ذلك، لا لعدم حبهم للصحة والحياة، بل إما لتغلُّب روح الإهمال واللامبالاة عليهم، أو لاقتصارهم في العلاج على الطرق التقليدية الموروثة، جموداً عليها، أو كسلاً عن الفحص عن الأصلح، من دون مراعاة للطرق العقلائية في اختيار الطبيب المعالج
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1: 13.
-[ 14 ]-
وكيفية العلاج، أو لتعصُّبهم ضدّ الطبيب الأفضل بنحْوٍ يصعب عليهم الاعتراف له بالفضيلة، أو لضيقهم مِن التقيّد بالدواء ومواعيده، أو مِن بعض الالتزامات الأخرى التي يفرضها الطبيب عليهم، أو لغلبة شهوتهم لِمَا يمنعهم الطبيب منه ويحميهم عنه من طعام أو شراب وغيرهما... إلى غير ذلك ممّا يأباه العقل السليم، ويستهجنه العقلاء بفطرتهم،وليس ذلك لفقدهم القوة العاقلة، بل لعدم فاعلية العقل فيهم نتيجة ما سبق، حتى يتجمد أو يُغلَب، فَهُمْ يدركون ضرَرَ سلوكهم وكأنهم لا يدركونه، ويملكون العقل وكأنهم يفقدونه.

العقل مَنْشَأ المسؤولية دائمًا

ولا يَجْنُون مِن عقلهم إلا تحمُّل المسؤولية واللوم والتقريع، ثم الندم عند الوصول للنهاية المُرَّة حين لا ينفع الندم، وكلما كان الضرر أكبر وأفظع كان اللوم والتقريع والندم أشدّ وأعظم. ولو أنهم فقدوا العقل حقيقةً لكان خيراً لهم، حيث لا مسؤولية، ولا لوم، ولا تقريع، ولا ندم،
وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "استرشدوا العقلَ تُرْشَدوا، ولا تعصوه فتندموا" (1).
وفي حديث حمدان عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: "صديق كلِّ امرئٍ عقلُه، وعدوُّه جهله" (2).
وفي حديث عبد الله بن سنان قال: "سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهم السلام)، فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ فقال: قال أمير المؤمنين
ـــــــــــــــــــــــ
(1)، (2) بحار الأنوار 1: 96، 87.
-[ 15 ]-
علي بن أبي طالب (عليه السلام) : إن الله ركب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كلتيهما [كليهما. علل الشرائع]. فمَن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم" (1).
وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ حيث يقول: ((إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذِينَ لاَ يَعقِلُونَ)) (2).
وحين يقول: ((وَلَقَد ذَرَأنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِن الجِنِّ وَالإنسِ لَهُم قُلُوبٌ لاَ يَفقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أعيُنٌ لاَ يُبصِرُونَ بِهَا وَلَهُم آذَانٌ لاَ يَسمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنعَامِ بَل هُم أضَلُّ أُولَئِكَ هُم الغَافِلُونَ)) (3)... إلى غير ذلك.

ضرورة استغلال العقل

فعلى الإنسان أن يعرف عظمة هذه النعمة التي فُضِّل بها وارتفع عن حضيض الحيوانية، ويستغلها لصلاحه وسعادته، في جميع أموره وشؤونه المتعلقة به، والدخيلة في سعادته وشقائه وخيره وشرّه، ويَرْبَأ بنفسه عن التخلي عنها والهبوط إلى مستوى الحيوان أو ما دونه، ثم يزيد عليه بتحمُّل التبعة والتقريع واللوم، ثم الندم حيث لا يغني ولا ينفع.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 11: 164، باب 9 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، حديث: 2.
(2) سورة الأنفال آية: 22.
(3) سورة الأعراف آية: 179.
-[ 16 ]-

ضرورة إعمال العقل في أمر الدين

هذا وبعد أن اتضحت أهمية العقل، فحيث كان الدين من أهمّ شؤون الإنسان التي يمر بها تقرير مصيره - في سعادته وشقائه وخيره وشرّه في دنياه وآخرته - كان أفضل عوْنٍ له في أمره عقلُه، فهو الطريق الأول له، وبه تقوم حجته ويصل إليه. ولذا سبق التأكيد عليه في الكتاب المجيد والسنّة الشريفة.
وفي حديث هشام بن الحكم عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: "يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام). وأما الباطنة فالعقول" (1).
وفي حديث عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام) : "قال: حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل" (2).
والظاهر أنّ مراده (عليه السلام) أنّ الأنبياء (عليهم السلام) تختص حجتهم بوظيفتهم، وهي التبليغ عن الله تعالى، أما العقل فهو الحجة في الأمور الباقية، مِن إثبات وجود الله عز وجل، وحاكميته، ووجوب طاعته، وإرساله الأنبياء، وصدقهم في دعوى الرسالة مِن قِبَله تعالى، وغير ذلك مما يكون مورداً للحساب والمسؤولية بينه وبين عباده، فهو الدعامة الكبرى، والقطب الذي عليه المدار، وإليه ترجع الأمور،وقد سبق الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه لا دين لمن لا عقل له.(نعم،بعد أنْ يَثْبُت صِدْق هذا النبي عند العقل فإنّ العقل يعترف بقصُوره عن إدراك حقيقة الأمور التعَبُّدِيَّة التي يبلِّغها النبي عليه السلام،فليس كلّ ما يأتي به النبيُّ يتدخَّل فيه العقل،فمثلاً لا يعترض العقلُ على إعْطَاء الذَّكَر مثل حَظّ الأنثَيَين في بعض صُوَر الإرْث،لأنه يعْرف مقدَارَه في مثل هذه التعاليم التَّعَبُّدِيَّة،ولتوضيح ذلك مقامٌ آخر).
ويتجلى ذلك في العَرْض - الحقيقي أو التمثيلي - الذي تضمنه حديث
ـــــــــــــــــــــــ
(1)، (2) الكافي 1: 16، 25.
-[ 17 ]-
محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: "لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولا أكملتك إلا فيمَن أحب، أَمَا إني إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أعاقب، وإياك أثيب" (1).
وحديث الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : "قال: هبط جبرئيل على آدم (عليه السلام) فقال: يا آدم إني أُمِرْتُ أن أخيّرك واحدة من ثلاث، فاخترها، ودع اثنتين. فقال له آدم: يا جبرئيل وما الثلاث؟ فقال: العقل والحياء والدين. فقال آدم: إني قد اخترت العقل. فقال جبرئيل للحياء والدين: انصرفا ودعاه. فقالا: يا جبرئيل إنا أُمِرْنا أن نكون مع العقل حيث كان. قال: فشأنكما. وعَرَج" (2).

تحديد المراد مِن العقل

ولا نريد بالعقل الاستدلالات العقلية المعقدة المبنية على مقدمات برهانية دقيقة، تحتاج إلى خبرة عالية يفقدها الكثيرون، بل(نريد) العقل الجَلِيّ، بالرجوع للمرتكزات الوجدانية التي أودعها الله تعالى في الإنسان بفطرته، والتي بها تحديد الحق من الباطل، وتحديد مدلول الكلام وما تقتضيه مناسبات المقام، والتي هي المَدَار في العُذْرِ والمسؤولية عند عامّة العقلاء، والتي يكون الخروج عنها مُخَالَفَةً للوجدان حسبما يدركه الإنسان لو خُلِّي وطَبْعه، حيث يستطيع بسببها كلُّ إنسانٍ كاملِ الإدراك يهمّه الوصول
ـــــــــــــــــــــــ
(1)، (2) الكافي 1: 10.
-[ 18 ]-
للحق استيضاح الحقيقة وتمييز الأدلة الصالحة للاستدلال عليها مِن أقصر الطرق وأيسرها، وأبعدها عن الخطأ.
ولاسيما أن الله تعالى حينما جعل دينه وشرعه قد فرضه على الناس عامّة، وألزمهم به، فلابد مِن وضوح حجته بحيث يدركها الكل، وذلك لا يكون إلا بالرجوع للطريق المذكور، الذي يملكه الكل، ويتيسر لهم الرجوع إليه والاستعانة به على معرفة الحقيقة، دون الاستدلالات العقلية المعقدة التي لا يقدر عليها إلا الخاصّة بعد جهد جهيد، وتارةً: يُوفَّقون فيها ويُسدَّدون، وأخرى: يخطئون فيها ويضلون، لخطأ المقدمات التي اعتمدوها، أو قُصُورها عن إفادة النتائج التي استنتجوها منها.
نعم، لا بأس بالاستظهار لمعرفة الحقيقة وتأكيد الحجة الواضحة عليها بالاستدلالات العقلية المعقدة التي لا يقوى عليها إلا ذوو المقام الرفيع في المعرفة والتحقيق.
لكن يَلْزَم التَّثَبُّت والترَوِّي والحذر الشديد مِن مصادمتها للوجدان والخروج بها عنه، فإنّ مَن يعتمد تلك الاستدلالات ويَأْلَفها قد يَعْتَزّ بها ويتفاعل معها حتى لو صادَمَت الوجدانَ وخالفت المرتكزات العامّة التي أودعها الله تعالى في الإنسان، وبها يحتج عليه.
وهو خطأ فادح لا يصلح عذراً بمقتضى الفطرة السليمة التي عليها المدار في استحقاق المدح والثواب، واللوم والعقاب.
والحقيقة أنه لابد مِن التوافق بين العقل الوجداني والبرهان العقلي
-[ 19 ]-
مهما تَعَقَّد، أمّا لو اصطدم البرهان بالوجدان وخرج عن مقتضاه فلابد مِن التوفيق بينهما. وكثيراً ما يتيسر ذلك للناقد المتبصر.
ولو تعذر التوفيق بينهما تعيَّن الإعراض عن البرهان، لكَوْنه شُبْهَة في مقابل البديهة.
ومَرْجِع ذلك للعِلْم بخلَلٍ في الاستدلال، وقُصُورٍ في بعض مقدماته إجمالاً، وإنْ تعذّر تمييزه تفصيلاً.

وُضُوح حجّة الله تعالى على دِينه الحق

وعلى كل حال لازلنا نؤكد بإصرارٍ أنّ حجة الله تعالى هي الحجة الواضحة، وأنه لم يفرض دينه على عباده حتى أوصله إليهم بأدلة وافية تنتهي بالآخرة إلى الضرورات والوجدانيات الفطرية التي مَن تبصَّرَ بها ورعاها وَصَل للحقيقة، وأنّ مَن لم يصل إلى الحقيقة مِن ذوي الإدراك الكامل لابد أنْ يكون مُفرِّطاً في ذلك، ومغرّراً بنفسه، بنحْوٍ يأباه العقل السليم ويستهجنه، ولا يرى له فيه عذرًا.
ومِن ثم سبق منّا أهمية العقل في الدين، ولزوم متابعته فيه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المصطفى
ريحان فعال


62
حالتك الأن؟ : postdetails.poster-profile a img {
ذكر
نقاط : 82
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: أصول العقيدة (1).   الجمعة مايو 24, 2013 6:30 pm

أسباب اختلاف الناس في أديانهم

وهنا قد يتساءل البعض عن سرّ اختلاف الناس في أديانهم هذا الاختلاف الشاسع، وأن هذا كيف يجتمع مع قوة أدلة الدين الحق، ووضوح حجته وبرهانه؟!
-[ 20 ]-
وإذا كان بعض الناس يتعمد مخالفة الحق الواضح عنادًا، أو لمصالح مادية، فإنّ أكثر الناس ليسوا كذلك، بل يتبنى كل فريق دينه وعقيدته عن قناعة وإخلاص، ويعمل عليه ويسعى في ترويجه، ويدافع عنه بإصرار قد يبلغ حد التضحية بكل غالٍ ونفيس. وما ذلك إلا لخفاء الحق عليه.
ولذا قد يذهب الذاهب إلى أنّ الحق ليس بذلك الوضوح، وأنّ كل صاحب دين وعقيدة معذور فيما يعتقد، إلا مَن تعمّد مخالفة الحق مع وضوحه عنده، عنادًا، أو لمصالح مادية أو غير ذلك، كما أشار إليه في قوله تعالى: ((وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءَتهُم البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم)) (1)، وهم أقل القليل.
وجواب ذلك: أنّ كثرة الخلاف في الحق لا تُنَافي وضوحَه، لا بمعنى وضوحه للمخالف فيه، بل بمعنى وضوحه في حدّ نفسه، بحيث لو أراد الإنسان الفحص عنه بالطرق العقلائية والنظر في أدلته، وتحكيم الوجدان فيه، لوصل إليه، وإنما لم يستوضحه المخالفُ لتفريطه في أمره، إما لعدم اهتمامه بالبحث والفحص، أو لوجود المانِع عنده مِن الاستجابة للأدلة - من مصالح مادية، أو تعصُّب، أو تقليد أعمى، أو غير ذلك - يَفْقِد الإنسان به رشدَه، ويعطّل عقله، ويخرج بسببه عن الطرق العقلائية المُعوّل عليها - عنده وعند جميع العقلاء - في عامّة الأمور.
ومِن أجل ذلك لا يكون معذوراً بين يدي الله تعالى، الذي فرض الحق، وأوضح حجته.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة آية: 213.
-[ 21 ]-

عبادة الأوثان في العصر الحاضر

ويتجلى لنا ذلك إذا نظرنا إلى حال الناس اليوم في بقاع الأرض المختلفة، حيث نرى منهم حتى الآن مَن يعتنق أدياناً ضرورية البطلان ظاهرة البشاعة، كعبادة الأوثان، ونسبة الإدراك والحول والقوة لها، مع أنها جمادات حادثة مصنوعة قطعًا، كما قال عزّ من قائل: ((إنَّ الَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أمثَالُكُم فَادعُوهُم فَليَستَجِيبُوا لَكُم إن كُنتُم صَادِقِينَ* ألَهُم أرجُلٌ يَمشُونَ بِهَا أم لَهُم أيدٍ يَبطِشُونَ بِهَا أم لَهُم أعيُنٌ يُبصِرُونَ بِهَا أم لَهُم آذَانٌ يَسمَعُونَ بِهَا قُل ادعُوا شُرَكَاءَكُم ثُمَّ كِيدُونِي فَلاَ تُنظِرُون)) (1).
وترى هؤلاء يتمسكون بعقائدهم ويَجْرُون عليها، ويدافعون عنها، ويتعصبون لها، غافلين أو متغافلين عن واقعها المزري الشنيع.
وقد حدثنا بعض المؤمنين الثقات - والعُهْدَة عليه - قال: ذهبنا قبل مدة إلى اليابان مُوفَدِين مِن قِبَل الدولة في زيارة رسمية، وقد صحبنا هناك مضيف رسمي من قبل الحكومة اليابانية من أجل إطلاعنا على معالم البلد. وفي بعض الأيام بينما نحن في الشارع أواخر النهار قرب المغيب إذ انقطع السير وتوقفت السيارات، من أجل فسح المجال للإله المعبود عندهم. فمرّ علينا شابان وشابتان يحملون (مصطبة) عليها تمثال إنسان ضخم. فسألت المضيف عن ذلك. فقال: هذا المعبود يضيق صدره وينحبس طبعه في هذا الوقت حيث يقرب مغيب الشمس ونشرف على الظلام، فيتنقل به في
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف آية: 194ـ195.
-[ 22 ]-
الشوارع من أجل النزهة به وإيناسه.
كما أخذنا المضيف إلى معبد فيه معبود لهم، وهو عبارة عن تمثال إنسان له ست عشرة يد يزعمون أن كل يد منها تدبر جهة من جهات الحياة من الرزق والصحة والحب وغيرها. وقد كان أمام وجهه كوة كأنه يشرف منها على الشارع، فذكر لنا المضيف أن مَن مرّ به من الناس صباحاً وقد عمل حسنة أنس وابتهج، ومَن مرّ به وقد عمل سوءاً استاء وانقبض، فقلت له: أهو هكذا حقيقة؟ فقال: هو هكذا سيكولوجيًّا.
وليس هذا لانحطاط هؤلاء عقليًّا، أو ضعف مستواهم الفكري والثقافي، بل لعدم اهتمامهم بالوصول للحقيقة، ورضاهم بما عندهم مِن الدين جُموداً على التقاليد الموروثة. ولذا لمّا انصبّ اهتمامهم على الجوانب الماديَّة لم يرضوا بالجمود على الماضي، بل تحرّروا منه وحاولوا الوصول للأصلح الأنفع، حتى انتهوا إلى ما انتهوا إليه من الازدهار الاقتصادي والصحي وغيرهما من الجوانب المادية. ولو أنهم اهتموا بالدين والعقيدة كما اهتموا بالماديات لما صعب عليهم الوصول للحقيقة، لِمَا سبق مِن وضوحها.
وكما أمكن للإنسان أن يعتنق الدين الباطل تقليداً أو تعصباً أو تسامحاً في طلب الحقيقة، ويغفل الضرورة على بطلانها، أمكن أن ينكر الحقَّ تقليداً وتعصباً أو تسامحًا، ويغفل الضرورة على صحته.
-[ 23 ]-

مخالفة الدين الحق توجب الخروج عن البداهة

وحينما حدثنا الشخص المذكور بما سبق له في اليابان كان في غاية الاستغراب منه والاستبشاع له، فقلت له - نتيجة القناعات السابقة -: يا حاج ليس هذا غريباً ولا مختصاً بعبدة الأصنام، بل كل مَن لا يصل للحقيقة الكاملة ويخالفها لابد أنْ يصطدم في بعض مراحله ببداهة، ويخالف الوجدان بوجه مستبشع. وذكرنا له شواهد وأمثلة قد لا يحسن ذكرها الآن، وربما تتضح فيما بعد من حديثنا هذا.

صعوبة الموضوعية في البحث ليست عُذرًا

نعم نحن لا ننكر صعوبة الموضوعية في البحث والتجرُّد مِن المُسَلَّمَات والتراكمات الموروثة، والتحرُّر مِن التقليد للآباء والأجداد، التي هي مِن أهم أسباب التعصب، وما يستتبعه مِن ضبابية تمنع مِن مصداقية الرؤية والوصول للحقيقة والإذعان بها،ولاسيما مع ما مُنِيَت به الحقيقة التي جعلها الله تعالى وفرضها - على طول الخط - مِن التعتيم عليها والتشنيع مِن قِبَل قِوَى الشرّ التي تراها خطراً يُهدِّد مصالحها، وعائقاً دون إنفاذ مشاريعها الجهنمية.
إلا أنّ ذلك كله لا يصلح عذراً في الخروج عن الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة التي تملكها الحقيقة المذكورة، والتي يقضي بمتابعتها والإذعان لها العقلُ السليمُ والوجدانُ بمرتكزاته التي أودعها الله سبحانه
-[ 24 ]-
وتعالى في الإنسان، وبها يحتج عليه.
ومِن هنا لا محيص للإنسان الذي يريد الأمانَ لنفسه وسلامتها من المخاطر والمهالك مِن أنْ يبحث عن الحقيقة، ويجهد في الوصول إليها، وينظر في أدلتها بموضوعية تامة وتجرُّد عن كل شائبة، ويحكم فيها عقله الذي هو الحجة الباطنة عليه من قبل الله تعالى، وهو المدار في ثوابه وعقابه، وسعادته وشقائه.
-[ 25 ]-

الموضوعية في البحث عن الدين الحق

ويحسن بكل مَن يهمّه الوصول للحقيقة، والنظر في أدلتها وحججها، بموضوعية كاملة، وتجرد عن التراكمات والمسلمات الموروثة، أن يستعين على ذلك بأمور:

احتمال الخطأ مِن كلِّ أحد

الأول: أن يضع في حسابه مِن أول الأمر احتمال الخطأ في كل عقيدةٍ تُفْرَض مهما كان لها مِن أتباع، لأنّ الناس لم تختلف في عقائدها نتيجة اختلاف مستوياتها العرقية أو الفكرية أو الثقافية أو غيرها، بل كثير من العقائد المختلفة حدّ التقاطع والتناقض قد حصل لكل منها أتباع مِن ذوي المستويات العالية في المعرفة والثقافة مِن مختلف القوميّات والأقطار، حيث يكشف ذلك عن أنّ الخطأ في العقيدة متوقَّع مِن كلّ أحد.
ولا ينبغي أنْ يَجُرّ حُسْنُ الظنّ بالأَتْبَاع للبِنَاء على صحة عقيدتهم الدينية، واسْتِبْعَاد الخطأ عليهم مهما كان شأنهم،بل ينبغي أولاً النظر في أصول العقيدة، وفي أدلتها بموضوعية كاملة، حتى إذا اتضح حالها يُحْكَم على أَتْبَاعها بما يناسبها مِن خطأ أو صواب، وهدى أو ضلال، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : "اعْرِفِ الحَقَّ تَعْرِف أهْلَه"(1)
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 3: 35 في وقعة الجمل، وص:64 مقتل الزبير بن العوام / تفسير القرطبي 1: 340 في تفسير قوله تعالى: ((ولا تلبسوا الحق بالباطل)) من سورة البقرة آية:42 / فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 210، 4: 17 / تاريخ اليعقوبي 2: 210 في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب / أبجد العلوم 1: 126. الإعلام الثامن في آداب المتعلم والمعلم في الجمل السابعة.
-[ 26 ]-
وقال الحارث بن حوت لأمير المؤمنين (عليه السلام) :
أتراني أظنّ أصحابَ الجمل كانوا على ضلالة؟!
فقال (عليه السلام) : "يا حارث إنك نَظَرْتَ تحتك ولم تنظر فوْقك فحِرْتَ، إنّك لم تَعْرفِ الحقَّ فتَعْرِف أهْلَه، ولم تعْرفِ الباطلَ فتعْرف مَنْ أَتَاه" (1).

تحديد دلالة الدليل

الثاني: أنّ كلّ دليلٍ يَطَّلع عليه الباحثُ، قد أُقِيمَ على قضية دينية حسّاسة يُقِرُّ بها، أو يُنْكرها، فلْيَفْرِض أنّ نَظِيرَه قد أُقِيم على قضية أخرى غير حساسة، أو حساسة باتجاه معاكس لاتجاه القضية التي استدل عليها بذلك الدليل، فإنْ رآه صالحاً لأنْ يُثْبِت تلك القضيةَ الأخرى فهو صالحٌ لأنْ يُثْبِت القضيةَ التي استدل عليها به، وإنْ لم يره صالحاً لذلك فهو غير صالح لأنْ يثبت تلك الحقيقة، لأنّ اختلاف الأمْر المُسْتَدَلّ عليه لا أثر له في قوة الدليل وضعفه.
غاية الأمْر أنه قد يكون مُعارَضاً في بعض الحالات دون غيرها، وهذا أمْرٌ آخر يقتضي البحثَ في مشكلة المعارضة، ولا أثر له في صلوح الدليل بنفسه للاستدلال وعدمه.
فمثلاً إذا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حديثٌ في حَقِّ بعض الصحابة - ممّن احتدم الخلاف فيه بين المسلمين - مادحٌ له أو قادحٌ فيه، وأراد الباحث أن يعرف مدى دلالة ذلك الحديث، فلْيَفْرض أنّ نظير الحديث المذكور قد
ـــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 4: 63 واللفظ له / تاريخ اليعقوبي 2: 210 في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
-[ 27 ]-
ورد عن النبي موسى (عليه السلام) في حق بعض أصحابه ممّن لا يهمّنا أمره، أو ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه في حق شخص آخر مِن صحابته تتبنّاه طائفة مناقضة للطائفة التي تتبنى الشخص الذي تناوله الحديث المذكور.
حيث يسهل عليه حينئذٍ تحديد دلالة ذلك الحديث بموضوعية كاملة بعيداً عن التعصب والتعسف.

ينبغي الاهتمام بوضوح الحجة لا بإقناع الخصم

الثالث: أن لا يهتم الباحث عند النظر في الأدلة بإقناع خصمه أو إسكاته بقدر اهتمامه بإدْلاء حجّته بين يدي الله عزّ وجلّ ((يَومَ تَأتِي كُلُّ نَفسٍ تُجَادِلُ عَن نَفسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفسٍ مَا عَمِلَت وَهُم لاَ يُظلَمُونَ)) (1)، حيث يقف بين يديه تعالى فرْداً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا، ولا يملك من وسائل السلامة إلا دليله وحجته.
وهو سبحانه اللطيف الخبير، لا يعجزه معرفة الدليل القويم من الدليل السقيم، ولا تنفع معه المكابرات والمغالطات، ثم هو الحاكم القاهر، والجازي بالعدل أفضل الثواب، أو أشد العقاب.
فإنّ ذلك يَحْمِل الباحثَ على أن يُحْكِم أمْرَه، وينظر في الأدلة والحجج بعقله ووجدانه، مجرَّداً عن كل شائبة، ليكون دليلُه ركْنَه الوثيق وصمامَ الأمان له يوم العرض الأكبر.
وأما مَن لم يُذْعِن بعْدُ بوجود الله عزّ وجلّ، وبوعده بالبعث
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل آية: 111.
-[ 28 ]-
والحساب، والثواب والعقاب، فلا أقلّ في حقه مِن احتمال وجود الله عزّ وجل، ولا طريق له لإنكاره مِن دُون نَظَرٍ في الأدلة، بل يَقْضِي عقلُه بفطرته بالتَّحَفُّظ والاحتياط في ذلك بالنظر في الأدلة بموضوعية كاملة، مِن دون لجاجة وعناد، ليأمن من الهلكة والخسران الدائم.
ولاسيما مع ما نبّه له الإمام الصادق (عليه السلام) في حديثه مع بعض الزنادقة، حيث قال له: "إنْ يكن الأمر كما تقول - وليس كما تقول - نجونا ونجوتَ، وإن كان الأمر كما نقول - وهو كما نقول - نجونا وهلكتَ" (1).
أما الاهتمام بإقناع الخصم فهو لا يضمن الوصولَ للحقيقة والخروجَ عن المسؤولية إِزَاءَها، لأنّ الخصم قد يكون مِن السذاجة بحيث يقتنع بأضعف الأدلة، وقد يكون مِن العناد والتعصب بحيث لا يقتنع بأقوى الأدلة، بل قد يحاول الالْتِفَافَ عليها إذا كان متمرِّساً في الخصام والجدل.
نعم بعد الوصول للحقيقة مِن طريق الاستدلال السليم والحجة الواضحة، وحصول القناعة بها نتيجة لذلك، يَحْسُن الاهتمام بإقناع الخصم رغبةً في هدايته، أو إسكاته دفْعاً لشره وتهريجه.
هذه نصيحتنا للباحث عن الحقائق الدينية، بل عن كل حقيقة. ونأمل به أن يرعاها في حديثنا هذا في مراحله المختلفة.
كما نبتهل إلى الله جلّ شأنه في أن يسددنا في ذلك، من أجل إيضاح الحقيقة لطالبها وإيصاله لها، وأن يبعدنا عن المغالطات والمكابرات، والمراء
ـــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 3: 47.
-[ 29 ]-
والخصومات. إنه خير معين ودليل، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وحيث انتهى الكلام في هذا التمهيد إلى أهمية العقل، ولزوم تحكيمه في الحقائق الدينية بموضوعية كاملة، فيقع الكلام في المقام في..
مقدمة يبحث فيها عن أمور تنفع في تحديد وظيفة المكلف إزاء الدين والنظر فيه.
ثم في مقاصد يبحث فيها عن أصول الدين التي يجب الاعتقاد بها، وعن أدلتها.
ثم في خاتمة يبحث فيها عن بعض الأمور المتعلقة بذلك، التي كثر الحديث حولها من الأولياء والخصوم، حتى قد تُسَاق شُبَهاً تَمْنَع مِن الركون لبعض الحقائق الدينية التي قامت الأدلة الواضحة عليها.
ونسأل الله سبحانه أن يعيننا على إنجاز ذلك وإكماله، على أفضل الوجوه وأتمها، بمنّه وجوده وكرمه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المصطفى
ريحان فعال


62
حالتك الأن؟ : postdetails.poster-profile a img {
ذكر
نقاط : 82
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: أصول العقيدة (1).   الثلاثاء مايو 28, 2013 5:02 am

-[ 33 ]-

المقدمة

وهي تتضمن أموراً يحسن التعرض لها قبل الدخول في المطلوب، لأنها تنفع فيه، وإن كانت خارجة عنه.
وفيها مباحث..

المبحث الأول

في وجوب الفَحْص عن الدين

كلّ ذي شعور - مِن إنسان أو حيوان - مَفْطُورٌ على حبّ نفسه، والتعلق بها ولأجل ذلك فهو يسعى لنفعها وجلب الخير لها، إلا إذا توقّف ذلك على تَحَمُّل الضرر، ولو كان هو التعب والنصب، الذي قد يضيق به الخامل.

وجوب دَفْع الضرر عن النفس

كما أنه يحاول دائماً دفع الضرر عن نفسه، والفرار من الخطر إذا هجم عليها، ولا يُقْدِم على الضرر إلا مِن أجل دفع الضرر الأعظم. وكلما كان
-[ 34 ]-
الضرر الوارد أشد وأهم كان دفعه ألْزَم، والاهتمام به آكد.
ولا يتوانى عن هذين الأمرين إلا عند اليأس والجزع، بحيث يوجب انهياره نفسيًّا، وخروجه عن ميزانه العقلي.
وهذه حقيقة ثابتة، واضحة جلية، لا ينكرها إلا مكابر معاند، لا يَحْسُن الحديث معه.

وجوب الحذر مِن الضرر المُحْتَمَل

وهناك حقيقة ثانية وراءها تتفرَّع عليها وهي أنه عند احتمال تَرَتُّب الضرر مِن دُونِ يَقِينٍ بحصوله لا يَحْسُن بالعاقل التغاضي عنه والتسامحُ في أَمْره، والرُّكُونُ لاحتمال عَدَمِه، بل لابد له مِن التحفُّظ منه والاحتياطِ لِدَفْعِه، بحيث يأمَن مِن حُصُوله، لأنّ ذلك هو المُناسِب لِمَا فُطِر عليه مِن حبِّه لنفسه، ولو فَرَّطَ حينئذ كان مَوْرِداً لِلَّوم، ثم الندم لو وَقعَ فيه.
وكلمّا اشتدّ الضرر المُحتمَل تَأَكَّدَ لُزومُ التحفُّظ منه. وذلك مِن البديهيات غير القابلة للإنكار.

تركيز الأديان على الثواب والعقاب الأخرويّين

وعلى هاتين الحقيقتين البديهيتين الفطريتين ترتكز الأديان عامّةً في حَمْل الناس على سماع دَعْوَتِها والنَّظرِ في أدلتها، ثم اعتناقها والالتزام بتعاليمها بعد ثبوتها ووضوح حجّتها.
وذلك بعد أنْ أَكَّدت الأديان على مَعَاد الإنسان بعد الموت، ثم
-[ 35 ]-
نَيْله الجزاء بالثواب العظيم على الإيمان بالدين والتزام تعاليمه، والعقاب الشديد على التسامح في ذلك والتفريط فيه.
وفي القرآن المجيد مضامين عالية في الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، تهزّ الناظر فيها شوقاً للثواب وفَرَقاً من العقاب.

نماذج من العرض القرآني للثواب والعقاب الأخرويين

قال عَزَّ مِن قائل: ((إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَومٌ مَجمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَومٌ مَشهُودٌ* وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلاَّ لأجَل مَعدُودٍ* يَومَ يَأتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفسٌ إلاَّ بِإذنِهِ فَمِنهُم شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خَالِدِينَ فِيهَا مَادَامَت السَّمَاوَاتُ وَالأرضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ* وَأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَادَامَت السَّمَاوَاتُ وَالأرضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيرَ مَجذُوذٍ)) (1).
وقال سبحانه وتعالى: ((هَذَانِ خَصمَانِ اختَصَمُوا فِي رَبِّهِم فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَت لَهُم ثِيَابٌ مِن نَارٍ يُصَبُّ مِن فَوقِ رُؤوسِهِمُ الحَمِيمُ* يُصهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِم وَالجُلُودُ* وَلَهُم مَقَامِعُ مِن حَدِيدٍ* كُلَّما أرَادُوا أن يَخرُجُوا مِنهَا مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ* إنَّ اللهَ يُدخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأنهَارُ يُحَلَّونَ فِيهَا مِن أسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤلُؤاً وَلِبَاسُهُم فِيهَا حَرِيرٌ* وَهُدُوا إلَى الطَّيِّبِ مِن القَولِ وَهُدُوا إلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ)) (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة هود آية: 103ـ108.
(2) سورة الحج آية: 19ـ24.
-[ 36 ]-
وقال عزّ وجلّ: ((الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلِمِينَ* ادخُلُوا الجَنَّةَ أنتُم وَأزوَاجُكُم تُحبَرُونَ* يُطَافُ عَلَيهِم بِصِحَافٍ مِن ذَهَبٍ وَأكوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشتَهِيهِ الأنفُسُ وَتَلَذُّ الأعيُنُ وَأنتُم فِيهَا خَالِدُونَ* وَتِلكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ* لَكُم فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنهَا تَأكُلُونَ* إنَّ المُجرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ* لاَ يُفَتَّرُ عَنهُم وَهُم فِيهِ مُبلِسُونَ* وَمَا ظَلَمنَاهُم وَلَكِن كَانُوا هُم الظَّالِمِينَ* وَنَادَوا يَا مَالِكُ لِيَقضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَالَ إنَّكُم مَاكِثُونَ* لَقَد جِئنَاكُم بِالحَقِّ وَلَكِنَّ أكثَرَكُم لِلحَقِّ كَارِهُونَ)) (1).
وقال جلّ شأنه: ((وَلَو يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذ يَرَونَ العَذَابَ أنَّ القُوَّةَ للهِ جَمِيعاً وَأنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذَابِ* إذ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِن الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأوا العَذَابَ وَتَقَطَّعَت بِهِم الأسبَابُ* وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَو أنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهُم كَمَا تَبَرّؤوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِم اللهُ أعمَالَهُم حَسَرَاتٍ عَلَيهِم وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِن النَّارِ)) (2).
وقال عزّ اسمه: ((المُلكُ يَومَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحمَنِ وَكَانَ يَوماً عَلَى الكَافِرِينَ عَسِيراً* وَيَومَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَا لَيتَنِي اتَّخَذتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يَا وَيلَتَى لَيتَنِي لَم أتَّخِذ فُلاَناً خَلِيلاً* لَقَد أضَلَّنِي عَن الذِّكرِ بَعدَ إذ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلإنسَانِ خَذُولا)) (3)... إلى غير ذلك من ما يضيق المقام عن استقصائه.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الزخرف آية: 69ـ 78.
(2) سورة البقرة آية: 165ـ167.
(3) سورة الفرقان آية: 26ـ 29.
-[ 37 ]-

وجوب النظر في أدلة الدين على كلّ مَن بَلَغَتْه دعوته

ومِن جميع ذلك يَظْهَر وجوبُ الفحْص عن الدين الحَق والنظر في الأدلة، لمعرفته والوصول إليه، تحفُّظاً مِن ضرر مخالفته على تَقْدِير قيام الحجّة الكافية عليه، وعدم اكتفاء الإنسان بما عنده، إلا أنْ يَقْطَع معه بالسلامة، لاستفراغه الوسع في الفحص عن الحقيقة، والنظر في أدلتها وتنقيحها، بحيث يكون على بصيرة مِن أمره وعذر عند ربه.
ولا فرق في ذلك بين مَن آمن بالله تعالى وبرسله وبالبعث والجزاء ومَن لم يؤمن بهذه الأمور، فإنّ مَن لا يؤمن بها كيف يتسنى له اليقين بعدمها - بوَجْهٍ يُعْذَر فيه عقْلاً - مِن دُون فحص ونظر، مع وجود مَن يدّعي ثبوتها، وقيام الدليل عليها، وإلزام الحجة بها؟!
وبعبارة أخرى: إذا بقي الإنسان غافلاً مِن دون تنبيه فقد يعتقد بَدْواً بأنه لا وجود إلا للمَحْسُوس، وليس وراء هذه الحياة شيء.
أما إذا خرج عن غفلته وبَلَغَته الدعوة، وعَلِم أنّ هناك أمّة كبيرة مِن الناس تدّعي تحقُّق بعض الأمور غير المحسوسة ذات الأهمية الكبرى، وتحاول إثباتها والاستدلال عليها، فلا طريق له إلى اليقين بعدمها مِن دون نظر في أدلتها وحججها، لأنّ اليقين بالعدم - كاليقين بالوجود - لابد له مِن دليل.
ولاسيما أنّ بعض مَن يدّعي ذلك قد بلغ مراتب عالية في العقل
-[ 38 ]-
والرشد والمعرفة، كالأنبياء والأوصياء (صلوات الله وسلامه عليهم)، وكثيرٍ مِن أتباعهم (رضي الله عنهم).
ومدّعي القطع بالعدم مع ذلك مِن دون نظر في الأدلة مكابر مغالط، لا تنفعه دعواه مهما أصرّ عليها وتشبَّث بها، ولا يكون معذوراً عقْلاً، فلا يأمَن مِن الضرر المُدّعى، الذي سبق وجوب دفْعه.
وأما دعوى: أنه يكفي في المُعَذِّرِيَّة الشكُّ الحاصل له، ولا مُلْزِم معه بالنظر في الدعوة والفحص عن أدلتها مِن أجل أن يعلم بالحقيقة ويتحمّل مسؤوليتها، لِمَا هو المعلوم من قبح العقاب بلا بيان.
فيدفعها أنّ الشك لا يكون عذراً عقلاً إلا بعد استفراغ الوسع في الفحص عن الأمر المشكوك. ويكفي في البيانِ الرافع للعُذْر البيانُ بالوَجْه المُتَعَارَف الذي مِن شأنه أن يطلع عليه الناس بالفحص والنظر. ولا أقلّ مِن احتمال ذلك، بسبب ما تظافرت الأدلة به مِن وجوب الفحص والنظر.وفي حديث مسعدة بن زياد: "سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) وقد سئل عن قوله تعالى: ((فَللّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ)) فقال: إذا كان يوم القيامة قال الله تعالى للعبد: أكُنتَ عالماً؟ فإنْ قال: نعم، قال له: أفلا عملتَ بما علمتَ؟
وإن قال: كنت جاهلاً، قال له: أفلا تعلّمت [حتى تعمل.خ]؟ فيخصمه. فتلك الحجة البالغة لله عزّ وجلّ على خلقه" (1).
وحينئذٍ يجب الفحص دفعاً للضرر المحتمل.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) أمالي المفيد: 292 المجلس الخامس والثلاثون حديث: 1 / ورواه عنه في البحار 2: 29.
-[ 39 ]-
وإنْ تجاهل الإنسان ذلك كله، وأقام على جهله، غير مُبَالٍ بعاقبته تسامحاً أو عنادًا، فشأنه وما اختار لنفسه، وعمّا قريب يصل إلى النهاية المحتومة، ويُكشَف الغطاء، وتتجلى الحقيقة، ويخسر المبطلون. و ((لاَ يَنفَعُ نَفساً إيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أو كَسَبَت فِي إيمَانِهَا خَيراً قُل انتَظِرُوا إنَّا مُنتَظِرُونَ)) (1).
وفي حديث العيص بن القاسم: "سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اتقوا الله، وانظروا لأنفسكم، فإنّ أحقّ مَن نظر لها أنتم. لو كان لأحدكم نَفْسَان فقَدَّمَ إحداهما وجرَّب بها استقبل التوبةَ بالأخرى كان، ولكنها نفس واحدة إذا ذهَبَت فقد ذهَبَت والله التوبة..." (2).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنعام آية: 158.
(2) وسائل الشيعة:11 / باب: 13 من أبواب جهاد العدو / حديث: 10.
-[ 40 ]-

المبحث الثاني

في وجوب قبول الحق

وهو أمر ينبغي أن يكون مِن الواضحات، فإنّ الأدلة إنما يُحْتاج إليها مِن أجل وصول الحقيقة والتعرف عليها، ليرتفع عذر المكلف، ولا يبقى له حجة على الله تعالى، وذلك إنما يقتضي الاكتفاء بكل دليل يوصل للحقيقة وينهض بإثباتها، فإذا وصلت الحقيقة للمكلف بأيّ وجْهٍ فُرِض فقد أقام الله تعالى الحجة عليه، وتمت المسؤولية في حقه، ولم يبق له عذر. وما له بعد ذلك إلا التسليم والإذعان.
وليس من حقه حينئذٍ اللجاج والتعنت والعناد والتحكم واقتراح أدلة أخرى.
وليس على الله عزّ وجلّ أن يجيبه إلى ما يريد، وهو الغني عنه وعن إيمانه، القاهر فوقه، القادر على عقابه.
وقد تكرر في الكتاب المجيد الإشارة إلى تحكم المتحكمين وتعنتهم، والردّ عليهم، والاستهوان بهم، والتهديد لهم.
-[ 41 ]-

موقف القرآن الكريم من المتحكمين والمتعنتين

قال الله تعالى: ((وَقَالُوا لَولاَ أُنزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ مِن رَبِّهِ قُل إنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللهِ وَإنَّمَا أنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ)) (1).
وقال سبحانه: ((وَإذَا تُتلَى عَلَيهِم آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرجُونَ لِقَاءَنَا ائتِ بِقُرآنٍ غَيرِ هَذَا أو بَدِّلهُ قُل مَا يَكُونُ لِي أن أُبَدِّلَهُ مِن تِلقَاءِ نَفسِي إن أتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ إنِّي أخَافُ إن عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَومٍ عَظِيمٍ)) (2).
وقال عزّ وجلّ: ((وَقَالُوا لَولاَ نُزِّلَ هَذَا القُرآنُ عَلَى رَجُلٍ مِن القَريَتَينِ عَظِيمٍ* أهُم يَقسِمُونَ رَحمَةَ رَبِّكَ نَحنُ قَسَمنَا بَينَهُم مَعِيشَتَهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَرَفَعنَا بَعضَهُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجَاتٍ)) (3).
وقال عزّ اسمه: ((وَإذَا جَاءَتهُم آيَةٌ قَالُوا لَن نُؤمِنَ حَتَّى نُؤتَى مِثلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمكُرُونَ)) (4)... إلى غير ذلك.

وجوب التثبّت مِن صحة الدليل

نعم، يحسن بالإنسان بل يجب عليه أن يتثبّت عند النظر في الأدلة، ويتأكد من صلوحها للاستدلال، ونهوضها بإثبات المُدّعَى وفق الضوابط العقلية والنقلية، ولا يتسرع في ذلك، ليكون على بصيرة مِن أمره، وعذر عند ربه.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة العنكبوت آية: 50.
(2) سورة يونس آية: 15.
(3) سورة الزخرف آية: 31ـ32.
(4) سورة الأنعام آية: 124.
-[ 42 ]-
بل يحسن منه أن يبحث عن المزيد منها إن تيسّر، استظهاراً للحقيقة، وزيادة في البصيرة، إذ كلما قويت أدلة الإنسان على ما يعلمه ويعتقد به كان أكثر تشبّثاً به.
وخصوصاً في أمر الدين الحق الذي يتعرض المؤمن فيه للشبهات التي يوحي بها الشياطين، ويثيرها أهل الضلال، وللفتن والبلاء الذي يمحّص به المؤمنون، فإنه كلما كثرت أدلته على دينه، وقويت حجته فيه، وازداد بصيرة في أمره، كان أبعد عن الزيغ والضلال والردة والانقلاب.
بل قد تكون المحن والفتن سبباً في قوة دينه، لأنّ المؤمن موعود بذلك، فهو يرى به تصديقاً لوعد الله تعالى الذي شرع الدين.
أما ضعيف الإيمان الذي لا بصيرة له في دينه، فإنه لا يقوى على مواجهة الفتن والمحن، بل ينهار أمامها.
قال الله سبحانه وتعالى: ((وَلَمَّا رَأى المُؤمِنُونَ الأحزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُم إلاَّ إيمَاناً وَتَسلِيما)) (1).
وقال عزّ من قائل: ((وَمِن النَّاسِ مَن يَعبُدُ اللهَ عَلَى حَرفٍ فَإن أصَابَهُ خَيرٌ اطمَأنَّ بِهِ وَإن أصَابَتهُ فِتنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجهِهِ خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسرَانُ المُبِينُ)) (2).
وغير خفيٍّ أنّ الاستظهار في الأدلة والاستزادة منها، غيْرُ التحكم في الأدلة والاقتراح والتعنت فيها، الذي هو محل الكلام، والذي كثيراً ما
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب آية: 22.
(2) سورة الحج آية: 11.
-[ 43 ]-
يتعمده المتخاصمون تعنّتاً وإباءً للحقيقة واستهواناً بها، وردّاً على الله تعالى الذي فرضها، وأتم حجته عليها، وحمّلهم بذلك المسؤولية إزاءها.
-[ 44 ]-
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
تراب أقدام المصطفى
ريحان فعال


62
حالتك الأن؟ : postdetails.poster-profile a img {
ذكر
نقاط : 82
تاريخ التسجيل : 10/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: أصول العقيدة (1).   الخميس مايو 30, 2013 8:59 am

-[ 44 ]-

المبحث الثالث

في عموم حُجِّيَّة العقل

إن الله سبحانه وتعالى كما يحْتجّ على الإنسان بعقله لتعيين الحق والإذعان به، وتصديق مَن ينبغي تصديقه لصدقه وأمانته، تبعاً لقيام الحجة بذلك، وتمامية الأدلة عليه، كذلك يحتج عليه بعقله لرفض الباطل عند قيام الدليل على بطلانه، وعدم التعويل على مَن لا ينبغي تصديقه، عند قيام الشواهد على أنه ليس أهلاً لأنْ يُصدَّق.
فمثلاً: يُفترَض في الدين أنْ يكون هو الحقيقة المقدسة المفروضة مِن خالق الكون المحيط به والمدبر له،كما يُفترَض فيمَن يُؤْخَذ منه الدين ويُصَدَّق عليه أنْ يكون المثلَ الأعلى في الأمانة والصدق والواقعية، تَبَعاً لأهمية الأمانة التي يَحْمِلُها ويَتَعَرَّض لها. هذا ما يُدْرِكه العقل بفطرته.
فلا معنى بعد ذلك لأنْ يَعْتَنِق الإنسان ديناً وهو يرى أنّ بعض تعاليمه خرافة لا يمكن تصديقها، أو حيف وجور لا يَحْسُن جعلها، أو يرى التناقض في التعاليم والمعتقدات(كلُّ ذلك في غير التعبُّدِيَّات التي لا يُدْرِك العقلُ حقيقتَها كالطواف بالبيت سبعة أشواط فقط، ورمي الجمرة ببضع حصيّات، واختلاف بعض أحكام القصاص أو الحدود بين الرجل والمرأة، وكذلك في الإرث، وفيما لو حَكم العقلُ به لا أن يَرْفُض الإنسان ذلك بسبب مزاجه ويَدَّعِي أنه قد أدْرَكَه بعقله)، (فإنْ كانت هناك خرافات أو أحكام ظالمة أو تناقضات واضحة للعقل لا للمزاج،فلا يَسْتَكِين لها) بل ينبغي أن يكون إدراكه لهذه الفجوات في دينه مُحفِّزاً له على الفحص عن دين آخر متكامل لا فجوة فيه.
-[ 45 ]-
كما لا معنى لأنْ يُصدَّق على الدين مَن لا يُصَدَّق على أمور الدنيا، لأنه انتهازيّ أو كذاب أو متهم.
بل ينبغي أن يكون ذلك مُحفِّزاً للإنسان على التحري والفحص عن دعاة آخرين، أهلٍ للتصديق والاستئمان بواقعهم وسيرتهم وسلوكهم.
وإلا كان الإنسان مُفرّطاً في أمره ومُتحمِّلاً مسؤولية موقفه ومغبّته. وهذه حقائق ظاهرة تنفع الإنسان في مسيرته من أجل معرفة الدين الحق والوصول إليه.
وأطرف مِن ذلك أن تبتني بعض الأديان على أنْ يُطْلَب مِن أتباعها اعتناقها وقبول تعاليمها، كأمور غيبية لا يصل إليها العقل، ولا يحق له النظر فيها، ولا نقدها.
مع وضوح أنه لو أمكن ابتناء الدين على ذلك، إلا أنه لا يحسن بالعاقل أن يعتنق الدين المذكور ويؤمن به إلا بعد أن تقوم الأدلة الكافية والحجج القاهرة على صحته، بحيث يضطر العقل السليم للتصديق به والإذعان له، ثم يقبل تعاليمه مهما كانت غامضة أو غريبة.
ولا معنى لاعتناقه وقبول تعاليمه مِن دون دليل على صحته وحَقِّيَّتِه.
-[ 46 ]-

المبحث الرابع

فيما يجب معرفته مِن الدين

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : "الإيمانُ عَقْدٌ بالقلب، ونُطْقٌ باللسان، وعَمَلٌ بالأركان" (1).
وقال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): "الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان" (2).
والنصوص بذلك عنهما وعن الأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) بهذه الألفاظ وما يقاربها وبهذه المضامين كثيرة مستفيضة (3).
أما عمل الأركان فهو عبارة عمّا فرضه الله تعالى على الإنسان مِن عَمَل، والذي يَتَكَفّل بذلك علم الفقه، ويكفي فيه التقليد، بشروطه المُقرّرة لِمَن لا يتيسر له الإطلاع على أدلته تفصيلاً، على ما ذكر في محله.
وأما معرفة القلب والإقرار باللسان فهو ما نبحث عنه هنا.
وتوضيح ذلك: أنه قد أجمع المسلمون على وجوب الاعتقاد بأمور ثلاثة، وهي المدار في الإسلام والكفر..
ـــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار 69: 71.
(2) نهج البلاغة 4: 50 باب المختار من حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) رقم: 227.
(3) بحار الأنوار 69: 18ـ73.
-[ 47 ]-

أصول الدين

الأول: التوحيد.

وهو وجود الله عزّ وجلّ، وانفراده بالخلق والتدبير والربوبية واستحقاق العبادة.

الثاني: النبوة.

وهي نبوة سيدنا (محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ورسالته عن الله تعالى للخلق مِن أجل تبليغهم بدينه في الأمور الاعتقادية والعملية.

الثالث: المَعاد والبَعْث بعد الموت.

وهو أنّ الله سبحانه وتعالى يحيي الناس بعد موتهم، ويحاسبهم على عقائدهم وأعمالهم، ويجزيهم على الخير والطاعة الثوابَ، وعلى الشر والمعصية العقابَ.
والأدلة على وجوب الاعتقاد بهذه الأمور الثلاثة متظافرة من الكتاب والسنّة. ومِن المعلوم مِن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان يدعو الناس للإقرار بهذه الأمور، ويحارب مِن أجل ذلك. وبها تُحْقَن الدماء، وتَثْبُت حُرْمَةُ الإسلام. وهي الفارق بين المسلم والكافر.
ومِن الطبيعي أنّ الاستدلال بالكتاب المجيد وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته على وجوب هذه الأمور الثلاثة لا يتمّ إلا بعد ثبوت وجود الله عز وجل ونبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنما ذكرناه هنا مِن أجل التنبيه على احتمال
-[ 48 ]-
وجوب هذه الأمور، ليجب الاحتياط بالفحص عنها، في مُقَابِل بَقِيّة الحقائق الدينية التي لا يجب الفحص عنها مِن أجل الاعتقاد بها حتى لو كانت ثابتة في الدين، كما يأتي توضيحه.
أما الشيعة الإمامية أعزّ الله دعوتهم ورفع شأنهم فقد زادوا على هذه الثلاثة أَمْرَيْن آخَرَيْن، وأوجبوا الاعتقادَ بهما، وهما عندهم - في الجملة - شَرْطٌ في الإيمان - زائداً على الإسلام - وفي النجاة مِن النار.

أُصُول المذهب الحَق

الأول: الإمَامَة

وهي إمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (صلوات الله عليهم) مِن بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فَصْلٍ، بِنَصٍّ مِن الله تعالى.
أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم تسعة مِن ذرية الحسين، ولداً عن والد، خاتمهم الحجة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
وهم: علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي الزكي العسكري، ثم خاتم الأئمة محمد بن الحسن القائم المهدي المنتظر (صلوات الله عليهم أجمعين).
-[ 49 ]-

الثاني: العدل.

وهو أنّ الله عزّ وجل عادل لا يمكن أن يظلم العباد، على ما يأتي توضيحه في محله إن شاء الله تعالى.
هذا، وحيث لابد في الاعتقاد بالشيء مِن قيام الدليل المُقْنِع عليه، بحيث يكون الاعتقاد به عن قناعة وبصيرة تامة، لِمَا يأتي مِن حُرْمَة القوْل بغير عِلْم، ولِمَا فُطِر عليه العقل مِن عدم حُسن الاعتقاد بالشيء مِن غير دليل. فلابد حينئذٍ مِن النظر في الدليل على ثبوت الأمور الخمسة المذكورة. وهو ما يتكفله هذا البحث إن شاء الله تعالى.
أما بقية الحقائق الدينية فلا يجب تكلُّف البحث عنها وعن أدلتها مِن أجل الاعتقاد بها، لعدم الدليل على ذلك. بل الظاهر عدم القائل به.

يجب الإذْعان بكل حقيقة دينية إجمالاً أو تفصيلاً

نعم إذا قام الدليل عليها - بنَحْوٍ أوجب العلْمَ بِجَعْل الله تعالى لها وتبليغ رسله بها - وجب الاعتقاد بها على نَحْوِ ما عُلِمَت.
كما يجب الاعتقاد إجمالاً بكل ما جعله الله تعالى وأنزله على رسوله، وبكل حقيقة دينية، والإذعان بذلك كله على إجماله، إذا لم يعلم بتفاصيله.
والوجه في جميع ذلك: أنه لو تمّ الدليل على وجود الله عز وجل وحصل العلم بذلك، فمقتضى العبودية له تعالى التسليم بكل ما حَكَمَ به وجَعَلَه، والتصديق بكل ما بلّغ به وبيّنه، والإذعان بجميع ذلك كما وَصَل،
-[ 50 ]-
إجمالاً أو تفصيلاً. والردّ لشيء مِن ذلك مُضَادَّة له تعالى شأنه، يُنَافِي العبودية له. بل حتى التَّوَقُّف عن التسليم له لا يُنَاسِب العبوديةَ له.
وقد أكد على ذلك القرآن المجيد، والسنّة الشريفة، في آيات كثيرة، وأحاديث مستفيضة، عن المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام).

تأكيد الكتاب والسنة على الإذعان بالحقائق الدينية

قال الله عزّ وجلّ: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إلَينَا وَمَا أُنزِلَ إلَى إبرَاهِيمَ وَإسمَاعِيلَ وَإسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَالأسبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِم لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أحَدٍ مِنهُم وَنَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ* فَإن آمَنُوا بِمِثلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَد اهتَدَوا وَإن تَوَلَّوا فَإنَّمَا هُم فِي شِقَاقٍ فَسَيَكفِيكَهُم اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ)) (1).
وقال جلّ شأنه: ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إلَيهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعنَا وَأطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيكَ المَصِيرُ)) (2).
وقال سبحانه وتعالى: ((إنَّ الَّذِينَ يَكفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أن يُفَرِّقُوا بَينَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ وَيُرِيدُونَ أن يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلاً* أُولَئِكَ هُم الكَافِرُونَ حَقّاً وَأعتَدنَا لِلكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِينا)) (3)... إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة آية: 136ـ137.
(2) سورة البقرة آية: 285.
(3) سورة النساء آية: 150ـ151.
-[ 51 ]-
وقد روي بطرق متعددة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "الإسلام هو التَّسْلِيم..." (1).
وفي صحيح الباهلي: "قال أبو عبد الله (عليه السلام) : لو أنّ قوماً عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه اللهُ أو صنعه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
أَلا صَنَعَ خِلافَ الذي صَنَع، أو وَجَدُوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مُشْرِكين. ثم تلا هذه الآية: ((فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أنفُسِهِم حَرَجاً مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيما)). ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام) :
عليكم بالتسليم" (2).
فإذا كان الإنكار على ما جعله الله تعالى وعدم الرضا به منافياً للإيمان، فكيف بإنكاره رأساً وعدم الإذعان والاعتقاد به؟!
وفي حديث كامل التمار: "قال أبو جعفر (عليه السلام) : ((قَد أفلَحَ المُؤمِنُونَ)) أتدري مَن هم؟
قلت: أنت أعلم.
قال: قد أفلح المؤمنون المسلّمون. إنّ المسلّمين هم النجباء. فالمؤمن غريب، فطوبى للغرباء" (3).
وفي حديث يحيى بن زكريا الأنصاري عن الإمام الصادق (عليه السلام) : "سمعته يقول: مَن سَرّه أن يستكمل الإيمان كله فليقل:
القَوْلُ منِّي في جميع الأشياء قَوْلُ آلِ محمدٍ فيما أسَرُّوا وما أعْلَنُوا، وفيما بَلَغَنِي عنهم وفيما لم يَبْلُغْنِي" (4).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 2: 45 / وبحار الأنوار 67: 309ـ313.
(2) الكافي 1: 390.
(3)، (4) الكافي 1: 391.
-[ 52 ]-
وحيث كان عندهم (عليهم السلام) جميعُ ما أنزل الله تعالى فالتسليمٌ لهم تسليمٌ به كله... إلى غير ذلك مِن الأحاديث الشريفة الدالّة على وجوب التسليم لله عز وجل وللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وللأئمة (عليهم السلام).
فاللازم الحذر كلّ الحذر مِن إنكار الشيء، أو الإنكار عليه، واستبشاعه - بعد ثبوته عن الله تعالى بالطرق التي مِن شأنها أن تُوجِب العِلْمَ- لغرابته أو لبعض الوجوه الاستحسانية، والاجتهادات والتخرُّصات، أو لغير ذلك.

لابد في الاعتقاد مِن قيام الدليل الكافي

نعم، لابد في الاعتقاد بالشيء والإذعان به مِن قيام الدليل عليه، وحصول العِلم به، ويَحْرم التسرع في ذلك ظنّاً وتخرُّصاً مِن دون بيّنة وبصيرة، كما سبق. وهو افتراء على الله تعالى، بل أقبح الافتراء ومن أعظم المحرمات، بضرورة الدين.قال الله تعالى: ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مَسؤُولا)) (1).
وقال عزّ وجلّ: ((وَلَو تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعضَ الأقَاوِيلِ* لأخَذنَا مِنهُ بِاليَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعنَا مِنهُ الوَتِينَ* فَمَا مِنكُم مِن أحَدٍ عَنهُ حَاجِزِينَ)) (2).
وقال سبحانه: ((قُل إنَّ الَّذِينَ يَفتَرُونَ عَلَى الله الكَذِبَ لاَ يُفلِحُونَ* مَتَاعٌ فِي الدُّنيَا ثُمَّ إلَينَا مَرجِعُهُم ثُمَّ نُذِيقُهُم العَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الإسراء آية: 36.
(2) سورة الحاقة آية: 44ـ47.
-[ 53 ]-
يَكفُرُونَ)) (1). ووضوح ذلك يغني عن استكثار الأدلة عليه.
وكما يحرم الاعتقاد بالشيء مِن دون دليل عليه، يحرم أيضاً الاعتقاد بعدمه مِن دون دليل، لأنه افتراء أيضاً وقوْلٌ بغير علم.
وكما يحتاج الإثبات إلى دليل يحتاج النفي إلى دليل. ولا يكفي في نَفْي الشيء عدم وجدان الدليل عليه، بل اللازم التَّوَقُّف حتى يتضح الحال - إثْباتاً أو نَفْياً - بدليل وافٍ وبرهان كافٍ، يَصْلُح عذراً بين يدي الله تعالى يوم يعرضون عليه، ويوقفون للحساب بين يديه.
واللازم مع الشك التوقف والاكتفاء بالإيمان الإجمالي والاعتقاد بما جعله الله تعالى في الواقع، على ما هو عليه، كما سبق، ويبقى الجهل عذْرًا، وملزماً بالتوقف عن الاعتقاد التفصيلي.
وقد سبق أنه لا يجب تكلّف الفحص لمعرفة الحقيقة تفصيلاً مِن أجل الاعتقاد بها قلباً والإقرار بها لسانًا، إلا في أصول الدين التي هي موضوع حديثنا هذا، حيث لا يكفي فيها الاعتقاد الإجمالي، بل يجب الفحص عنها من أجل الاعتقاد بها تفصيلاً.
وعلى ذلك يقع الكلام في تلك الأصول في خمسة مقاصد.
ـــــــــــــــــــــــ
(1) سورة يونس آية: 69ـ70.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
أصول العقيدة (1).
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
~¤¦¦§¦¦¤~ ريحانة المصطفى ~¤¦¦§¦¦¤~ :: ღ♥ღ المـنتديــــات الإســلامـيـــــــة ღ♥ღ :: ريحانة الإسلامي العام-
انتقل الى: